دار الكتب الظاهرية
سُمِّيت باسم الملك الظاهر
المدفون فيها، وهو السلطان ركن الدين أبو الفتوح بيبرس البُنْدقداري التركي ملك مصر
والشام، وأشهر سلاطين المماليك البحرية، وأول من وطَّد ملكهم في بلاد الشام بعد زوال
الدولة الأيوبية ودخول التتار دمشق أيام هولاكو. وقد دفن في قلعة دمشق قبل أن يُنقل
جثمانه إلى المدرسة الظاهرية ليُدفَن فيها.
بُدئ ببناء المدرسة الظاهرية في التاسع من جمادى الأولى عام 676ﻫ تجاه
المدرسة العادلية الكبرى لتكون مدرسةً وتربةً للملك الظاهر، ووُضِع أساسا التربة والمدرسة
في الخامس من جمادى الآخرة من العام نفسه، عملاً بأمر الملك السعيد ابن الملك الظاهر
الذي تولى السلطنة بعد أبيه، وقد أقام في المدرسة دار حديث، وجعلها على المذهبين الحنفي
والشافعي. وكان افتتاحها في الثالث عشر من صفر عام 677ﻫ، وأُلقي فيها أول درس قبل اكتمال
بنائها.
ومضت الظاهرية
في أداء رسالتها الثقافية وخدمة العلم مدة ستة قرون، درَّس فيها خلالها الجمُّ الغفير
من العلماء ، أمَّا خرِّيجوها من الطلاب الذين أثرَوا الفكر الإنساني على مدى قرون،
فعددهم عظيم.
ونزل دمشق في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي الوالي العثماني مدحة
باشا، وكان محباً للعلم والمعرفة ساعياً في نشرهما، فألَّف من علماء البلد جمعيةً سميت
بالجمعية الخيرية، رأَسَها الشيخ علاء الدين عابدين، وكان من أعضائها علاَّمة الشام
الشيخ طاهر الجزائري، مفتش المعارف في ولاية سورية، وأسند إليها أمر العناية بالتعليم
وإنشاء المدارس في دمشق، فأشارت الجمعية على الوالي بجمع المخطوطات الموقوفة على مدارس
دمشق ووضعها في مكان واحد صوناً لها من التلف والضياع، فكتب بدوره إلى السلطان عبد
الحميد، وحصل منه على قرار بجمع المخطوطات في المدرسة الظاهرية، فجُمعت المخطوطات من
عشر مدارس بدمشق وأودِعت الظاهرية التي سميت حينها بالمكتبة العمومية، وافتُتحت المكتبة
عام 1881م بإشراف جماعة من العلماء دُعوا بجمعية المكتبة العمومية. وفي عهد الحكومة
العربية التي قامت في سورية عام 1919م تغير اسم المكتبة العمومية إلى دار الكتب العربية،
ثم عُرفت بدار الكتب الوطنية الظاهرية، وقد تطورت واتسعت مع الزمن وكثرت مقتنياتها
من المخطوطات والكتب النادرة حتى أصبحت واحدة من أشهر دُور الكتب في العالم العربي،
وما زالت حتى اليوم موئلاً للباحثين والدارسين عرباً ومستشرقين.
وتخضع دار الكتب الظاهرية منذ عام 2006 لأعمال
ترميم بإشراف المجمع، وقد شارفت هذه الأعمال على الانتهاء، وستخرُج الظاهرية بعدها
إلى روادها من الباحثين وطلبة العلم في حلة جديدة تجمع بين عراقة الماضي وتطور الحاضر.